السعيد شنوقة

39

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

بغيبه . وهذا لا يعلمه أحد لا ابن عباس ولا غيره ، فمن ذهب من العلماء إلى نفيه عن الراسخين يتجه إلى ما له صلة بالغيب الذي علمه الله وحده أو من اختصهم به من الأنبياء والرسل . أما ما له صلة باللغة وأساليب العرب في كلامهم فيتأوّل ويعلم من طريق الاجتهاد في الرأي القائم على الشروط الصحيحة والمتمكن من آليات الفهم اللازمة « 1 » . وقد ذهب الزركشي في هذا المعنى في معرض ذكره أنواع التفسير عند النوع الرابع منه إلى أن « التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع وهذا هو الذي دعا به النبي صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس في قوله : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » « 2 » . ويمكن أن يكون المعنى من التأويل هو هذا . بشرط صحة قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم : أو علمه التأويل » لأنه قد يكون هذا زيادة في الحديث للتزلف لبني العباس . وقد ردّ مجيزوا التأويل « 3 » على أدلة المانعين ، فاستدلوا أمام القول على ما أراد الله تعالى بأنه ظني بأن الظن نوع من العلم لأنه إدراك الطرف الراجح . وإذا افترض التسليم به فإنه يمنع القول على الله تعالى بغير علم لأن الظن يكون منهيا عنه إذا أمكن التوصل إلى العلم اليقيني القطعي بنص شرعي قطعي أو بدليل عقلي موصل إلى ذلك . بيد أنه إذا لم يتوفر دليل من ذلك فإن الظن يصبح كافيا لأنه يستند إلى دليل من نص القرآن الكريم على صحة العمل به . يقول الله عز وجل : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] . وقد مرّ معنا أصول شرعية الاجتهاد في حديث معاذ بن جبل . وقالوا في تمسّك المانعين بإضافة البيان للرسول صلى الله عليه وسلم وحده من خلال قول الله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] نعم إنّ رسول الله مأمور بالبيان ولكنه مات ولم يبيّن كل شيء ، فما بيّنه كاف عن فكره من بعده ، غير أن الذي لم يرد عنه فيه إمكانية أن يتناوله أهل العلم من المسلمين بقيد الشروط والحدود ، فبيان أهل العلم مستشف من قوله تعالى بآخر الآية السابقة : وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ .

--> ( 1 ) انظر تفسير القرطبي ، ج 1 ، ص ، 33 ج 4 ، ص 18 . ( 2 ) البرهان في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 162 . ( 3 ) راجع د . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ج 1 ، ص 247 وما بعدها .